في واحدة من أكثر الجلسات حساسية منذ إعادة فتح ملف العفو العام، أقرّت اللجان النيابية المشتركة اقتراح القانون بعد إدخال تعديلات واسعة طاولت مدد الأحكام والفئات المشمولة، وسط انقسام سياسي وقضائي وشعبي حول حدود العفو وطبيعته.
التعديلات الجديدة رسمت إطاراً أكثر تشدداً مقارنةً بالطروحات السابقة، إذ جرى اعتماد عقوبة الإعدام بما يوازي 28 سنة سجنية، فيما حُدّد السجن المؤبد بـ18 سنة، والموقوفون غير المحكومين بـ14 سنة. كما أُقرّ خفض العقوبات إلى الثلث، مع اعتماد أحكام القانون الرقم 194 الصادر عام 2011 بالنسبة إلى المبعدين واعتبارها نافذة.
وفي ملف المخدرات، فرّق القانون بين التعاطي والترويج غير المنظّم المشمولين بالعفو، وبين الترويج المنظّم والاتجار اللذين بقيا خارج إطار التسوية.
النائب ميشال معوض كشف أن النقاشات السابقة شهدت توتراً كبيراً بين عدد من النواب وممثلين عن وزارة الدفاع وقيادة الجيش، معتبراً أن استمرار السجال كان قد يفتح الباب أمام “صدام بين الجيش وشريحة من المواطنين”. لذلك، شدّد على ضرورة إقرار القانون بالتوافق السياسي، مؤكداً أنه مع مجموعة من النواب طلب من رئيس الجمهورية جوزف عون رعاية حوار مباشر بين الكتل المعارضة ووزير الدفاع “لوضع سقف للنقاش”.
أما نائب رئيس مجلس النواب إلياس بو صعب، فأكد أن الصيغة النهائية أخذت بملاحظات وزارتي الدفاع والداخلية وقيادة الجيش، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي يتمثل في معالجة أزمة السجون والمحاكمات الطويلة، ولا سيما في ظل وجود موقوفين أمضوا سنوات تفوق الأحكام التي صدرت بحقهم.
وأوضح بو صعب أن القانون حافظ على حقوق أهالي شهداء الجيش، إذ لم يُسقط حقهم الشخصي أمام القضاء المدني، انطلاقاً من اعتبار أن المؤسسة العسكرية “ليست طرفاً في النزاعات”. كما أشار إلى معالجة مسألة “الإدغام” التي أثارت خلافاً واسعاً، عبر منح القاضي صلاحية زيادة ربع مدة الحكم عند تعدد الجرائم، بدلاً من نصف المدة كما كان مطروحاً.
وفي موازاة النقاش القانوني، بقي البعد السياسي والأمني حاضراً بقوة، خصوصاً مع موقف عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب حسن فضل الله، الذي أعلن رفضه عودة “العملاء الذين يقاتلون مع الجيش الإسرائيلي”، مؤكداً أن “أي عميل لإسرائيل سيُقاتَل كما يُقاتَل الإسرائيلي”.
فضل الله أشار أيضاً إلى استمرار التواصل بين “حزب الله” ورئاسة الجمهورية، نافياً وجود قطيعة مع الرئيس جوزف عون، لكنه دعا في المقابل الدولة إلى “التراجع عن التفاوض المباشر المذل” ورفض اتخاذ قرارات كبرى خارج إطار “التفاهم الوطني”.
وفي خلفية المشهد، يبرز البعد الإنساني كأحد أبرز دوافع الدفع نحو القانون، مع تضخم أعداد الموقوفين وتدهور أوضاع السجون، إضافة إلى وجود آلاف المطلوبين بمذكرات توقيف ووثائق اتصال، خصوصاً في البقاع والشمال، ما جعل ملف العفو يتحول من قضية قضائية إلى ملف اجتماعي ـ سياسي شديد الحساسية.
ورغم إقرار الصيغة داخل اللجان، لا تزال الطريق أمام القانون مفتوحة على سجالات جديدة داخل الهيئة العامة، بعدما دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى جلسة تشريعية الخميس لدرس مشاريع واقتراحات القوانين المدرجة على جدول الأعمال، وفي مقدمها قانون العفو العام.