
بين الدولة والدويلة: حتى متى سيدفع لبنان ثمن مغامرات حزب الله؟
من أعطى حزب الله الحق في التضحية بوطن كامل في سبيل صراع إقليمي؟

من أعطى حزب الله الحق في التضحية بوطن كامل في سبيل صراع إقليمي؟
لم يعد ممكناً بعد ما جرى في الساعات الأخيرة الحديث بلغة التوازن أو الرماديّة. ما حصل أمس لم يكن مجرّد تصعيد أو رسالة عسكرية محدودة، بل إدخال لبنان عملياً في قلب الحرب الإقليمية، فيما البلاد تعيش أسوأ انهيار اقتصادي واجتماعي في تاريخها. وفي المقابل، جاء قرار الحكومة صباح اليوم ليشكّل نقطة تحوّل واضحة، ويؤكّد أنّ زمن السكوت عن هذا المسار بدأ ينتهي.
فإعلان الحكومة، برئاسة نواف سلام، حظر أي نشاط عسكري أو أمني خارج إطار الدولة، والتمسّك بتنفيذ القرار 1701، وخلوّ جنوب الليطاني من أي سلاح غير شرعي، لم يكن مجرّد بيان دبلوماسي. لقد كان موقفاً سيادياً مباشراً، أعاد رسم الخط الفاصل بين الدولة وبين منطق فرض الأمر الواقع. للمرة الأولى منذ سنوات، خرجت السلطة من موقع الدفاع والتبرير إلى موقع إعلان أنّ لبنان ليس منصة مفتوحة لحروب الآخرين.
في المقابل، فإنّ ما قام به حزب الله أمس كشف أزمة عميقة في قراءة الواقع اللبناني. فالتصعيد جاء في لحظة لا يمتلك فيها لبنان أي قدرة على تحمّل حرب، لا مالياً ولا إنسانياً ولا سياسياً. بلد مفلس، بنية تحتية منهارة، شعب يعيش على التحويلات، ومؤسسات تكافح للبقاء. ومع ذلك، جرى اتخاذ قرار التصعيد وكأنّ البلاد في موقع قوّة، وكأنّ المجتمع اللبناني قادر على تحمّل صدمة إضافية.
لكن الأخطر من القرار العسكري كان الخطاب الذي رافقه. فحين يُقدَّم إدخال لبنان في المواجهة على أنّه «فداء لإيران وقيادتها»، يصبح السؤال جوهرياً: من أعطى حزب الله الحق في التضحية بوطن كامل في سبيل صراع إقليمي؟ إنّ ربط مصير لبنان مباشرة بالمواجهة التي تقودها ايران، وتقديمه خط دفاع متقدّم عن مشروع قاده خامنئي، يعني عملياً إسقاط فكرة السيادة الوطنية. فلبنان ليس ورقة تفاوض، ولا ساحة رسائل، ولا قاعدة عسكرية لمحاور خارجية.
هذا المنطق لا يهدّد فقط الأمن، بل يضع الحزب في مواجهة مع الدولة نفسها. فحين تعلن الحكومة بوضوح التزامها ضبط الجنوب ومنع تحويله إلى منصة صواريخ، ثم يأتي التصعيد خارج هذا القرار، يتحوّل الأمر إلى صراع على من يقرّر مصير اللبنانيين. المسألة لم تعد خلافاً سياسياً أو تبايناً في الرأي، بل مواجهة حول طبيعة الدولة: هل هي دولة واحدة بقرار واحد، أم كيان متعدد القرارات والسلاح؟
لقد تغيّر المزاج الداخلي. اللبنانيون اليوم يريدون الاستقرار والاقتصاد والحدّ الأدنى من الأمان. كلّ جولة تصعيد إضافية تعني مزيداً من الهجرة والانهيار والعزلة. ولا دولة عربية أو غربية ستغامر بدعم بلد يعيش على حافة حرب دائمة. إنّ استمرار هذا المسار يعني عملياً إغلاق أبواب الإنقاذ وترك اللبنانيين وحدهم في مواجهة مصيرهم.
لكن القرار الحكومي، مهما كان مهمّاً، لن يكون كافياً إذا بقي حبراً على ورق. المطلوب الآن خطوات فعلية:
انتشار واسع للجيش اللبناني جنوب الليطاني.
تثبيت قواعد القرار 1701 على الأرض.
دعم دولي واضح لسيادة لبنان.
موقف داخلي موحّد يضع حدّاً لازدواجية السلطة.
هذه لحظة مفصلية. إمّا أن تنجح الدولة في فرض منطقها، أو يستمرّ منطق المغامرة والتضحية بلبنان في صراعات الآخرين. وما جرى أمس يجب أن يكون إنذاراً أخيراً: لبنان لم يعد يحتمل أن يكون «فداءً» لأحد. الخيار واضح اليوم أكثر من أي وقت مضى: دولة تحمي شعبها، أو انهيار كامل لا يستثني أحداً.