
سيادة مُغيّبة وسلاح بلا أفق: كيف قاد اختلال المعادلة إلى مأزق يتخبّط به لبنان؟
لا يمكن قراءة مسار الجنوب منذ الثمانينات بمعزل عن معادلة مزدوجة: صعود حزب الله كقوة تمتلك قرار الحرب، مقابل تراجع الدولة إلى موقع المتفرّج

لا يمكن قراءة مسار الجنوب منذ الثمانينات بمعزل عن معادلة مزدوجة: صعود حزب الله كقوة تمتلك قرار الحرب، مقابل تراجع الدولة إلى موقع المتفرّج
لم يكن الجنوب اللبناني يومًا مجرّد خطٍ جغرافي يفصل بين دولتين، بل شكّل، على امتداد تاريخه الحديث، مرآةً مكثّفة لأزمات الدولة اللبنانية وتناقضات الإقليم. غير أنّ تصحيحًا أساسيًا يفرض نفسه في السردية التأسيسية: ففي حرب عام 1948، كان الجيش اللبناني هو الجهة الرسمية الوحيدة التي قاتلت إسرائيل، ضمن قرار الدولة اللبنانية. لكن "بارادوكس" التاريخ اللبناني يبدأ من هنا؛ إذ منذ ذلك التاريخ، لم يعد لبنان يدخل الحروب بقرار سيادي مكتمل، بل خرج من تلك المواجهة مثقلًا بتداعيات لم يمتلك أدوات إدارتها، وفي مقدّمها تدفّق اللاجئين الفلسطينيين، وما رافقه من تحوّلات ديموغرافية وأمنية عميقة. عند تلك اللحظة، بدأ يتشكّل واقع مزدوج: دولة ناشئة تحاول تثبيت توازن داخلي هش، وحدود جنوبية مفتوحة على صراع يفوق قدرتها.
أولًا: 1949–1967: الهدنة كاستقرار مؤجّل
مع توقيع اتفاقية الهدنة عام 1949، بدا وكأنّ لبنان نجح في تثبيت استقرار نسبي، إذ أوقفت العمليات العسكرية وأبقت الجنوب خارج المواجهات الكبرى. غير أنّ هذا الاستقرار لم يكن سوى تأجيل للصراع. فالهدنة لم تُترجم إلى استراتيجية سيادية واضحة لضبط الحدود، ولا إلى بناء منظومة دفاعية قادرة على احتكار العنف المشروع. وبينما كان الخارج يبدو هادئًا، كان الداخل يتحوّل تدريجيًا، خصوصًا داخل المخيمات الفلسطينية التي بدأت تتحوّل إلى مساحات ذات استقلال أمني وعسكري.
في هذا السياق، شكّل تاريخ الأول من كانون الثاني 1965 محطة مفصلية، مع انطلاق أولى العمليات المسلحة من منطقة العرقوب، في ما عُرف لاحقًا ببداية العمل الفدائي الفلسطيني المنظّم. لم تكن تلك الحادثة معزولة، بل شكّلت مدخلًا لسلسلة تطورات تصاعدت بعد حرب الـ 1967، التي أعادت رسم ميزان القوى في المنطقة. ومع تزايد العمليات عبر الحدود، لم يعد الجنوب خاضعًا حصريًا لقرار الدولة اللبنانية، بل تحوّل إلى ساحة مفتوحة لقوى تتجاوزها. وهنا، سقطت الهدنة عمليًا، حتى لو بقيت قائمة قانونيًا، لأن شرطها الأساسي الذي ينصّ على احتكار الدولة لاستخدام القوة كان قد تآكل.

ثانيًا: 1969–1975: اتفاق القاهرة ومنطق التنازل السيادي
هذا التآكل تُرجم رسميًا مع اتفاق القاهرة عام 1969، الذي لم يكن مجرد تنظيم للوجود الفلسطيني، بل لحظة تنازل سيادي واضحة، إذ مُنحت منظمة التحرير الفلسطينية حق العمل العسكري انطلاقًا من الأراضي اللبنانية. ومن هذا المنطلق، لم تعد الدولة اللبنانيّة الجهة الوحيدة التي تقرر الحرب والسلم. تحوّل الجنوب آنذاك إلى ما عُرف بـ"فتح لاند"، حيث نشأت سلطة ميدانية موازية، قادرة على إطلاق عمليات تستدرج ردودًا إسرائيلية، من دون قدرة الدولة على ضبط ما يحصل. لكنّ المفارقة هنا أنّ التنازل عن السيادة لم يُجنّب لبنان الحرب، بل جعله أكثر عرضة لها، لأن القرار لم يعد مركزيًا ومحصورًا بالقوى الشرعية اللبنانيّة.
ثالثًا: 1975–1982: الحرب اللبنانيّة والانكشاف الكامل
مع اندلاع الحرب اللبنانية عام 1975، انهارت الضوابط المتبقية، ودخل الجنوب مرحلة الانكشاف الكامل. لم يعد مجرد ساحة توتر، بل أضحى مسرحًا مفتوحًا تتداخل فيه قوى محلية وإقليمية. وفي ظل غياب الدولة، ظهرت محاولات لملء الفراغ، أبرزها نشوء "جيش لبنان الجنوبي" بقيادة سعد حداد، كردّ فعل على شعور مناطق واسعة بأنها تُركت لمصيرها.
الى ذلك، جاء الاجتياح الإسرائيلي عبر عملية الليطاني في الـ1978 ليؤكد على انتقال الجنوب إلى قلب المعادلة الإقليمية. هدفت العملية إلى إبعاد الفصائل الفلسطينية عن الحدود وفرض واقع أمني جديد، لكن نتائجها تجاوزت الهدف العسكري المباشر، إذ ساهمت في تكريس الشريط الحدودي كمنطقة نفوذ معقّدة. وعلى وقع هذه الأحداث، سُجّلت ظاهرة لافتة تمثّلت في استقبال بعض الجنوبيين للقوات الإسرائيلية برشّ الأرز، في تعبير عن الانقسام الداخلي العميق، لا عن موقف وطني جامع. ورغم صدور القرار 425 ونشر قوات اليونيفيل، بقيت السيادة اللبنانية منقوصة، وتحولت القرارات الدولية إلى أدوات لإدارة التوتر لا لحلّه.

رابعًا: 1982–2000: من الاحتلال إلى تقنين الصراع
شكّل اجتياح 1982 نقطة تحوّل مفصلية، مع خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان. لكن الصراع لم ينتهِ، بل أعيد تشكيله. وفي هذا السياق، من الضروري تصحيح سردية شائعة: إذ أنّ نشأة "حزب الله" آنذاك لم تكن نتيجة مباشرة لاجتياح الـ 1982، بل تعود جذورها إلى ما بعد الثورة الإيرانية عام 1979، في إطار مشروع "تصدير الثورة". فمنذ أوائل الثمانينات، بدأت تتشكّل نواة الحزب عبر بنى تنظيمية وعسكرية، من بينها ثكنة الشيخ عبدالله ومخيمات التدريب في البقاع، بدعم إيراني مباشر.
في هذا السياق، ترافقت نشأة الحزب مع سلسلة عمليات استهدفت مصالح غربية، أبرزها تفجير السفارة الأميركية في بيروت عام 1983، ثم تفجير مقري المارينز والقوات الفرنسية. وقد عبّرت "الرسالة المفتوحة" عام 1985 عن التوجّه الأيديولوجي للحزب، محددةً موقفًا عدائيًا صريحًا تجاه الولايات المتحدة. لاحقًا، تراكمت التصنيفات الدولية التي اعتبرت الحزب منظمة إرهابية، بدءًا من القرار التنفيذي الأميركي عام 1995، وصولًا إلى إدراجه ككيان إرهابي عالمي بعد 2001، فضلًا عن ربطه بشبكات تمويل غير شرعية، ما وضع لبنان أمام تحديات مالية وسيادية معقّدة.
داخليًا، سقط اتفاق 17 أيار 1983 بفعل الانقسامات، ولا سيما بعد أحداث 6 شباط 1984، التي أعادت خلط الأوراق وأسهمت في عودة النفوذ السوري إلى بيروت بعد انسحابه في الـ1982. ومع اتفاق الطائف عام 1989، الذي نصّ على حصر السلاح بيد الدولة، جرى استثناء سلاح "حزب الله"، ما كرّس ازدواجية بنيوية في النظام اللبناني، ناهيك عن تعزيز نفوذ حافظ الأسد، الذي أبقى الازدواجية قائمة، وحوّل هذا السلاح إلى ورقة إقليمية في سياق مفاوضات مثل مؤتمر مدريد في العام 1991.
في التسعينيات، لم يعد الهدف إنهاء الصراع، بل تنظيمه. فحرب الـ 1993، المعروفة بحرب الأيام السبعة انتهت بتفاهم شفهي غير مكتوب. وبرزت "عناقيد الغضب" التي شنتها إسرائيل على جنوب لبنان في نيسان 1996 من دون أن تحقق حسمًا عسكريًا واضحًا، سواء على مستوى الأهداف المعلنة أو على مستوى إعادة رسم قواعد الاشتباك بشكل منفرد. فقد جاءت العملية في سياق محاولة إسرائيلية للضغط على "حزب الله" ودفعه إلى وقف عملياته العسكرية على الشريط الحدودي، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى مواجهة مفتوحة كشفت حدود القدرة على فرض نتائج سياسية بالقوة العسكرية وحدها.
ومع تصاعد العمليات وتوسع نطاق القصف ليشمل مناطق مأهولة، بلغت المواجهة ذروتها مع مجزرة قانا التي شكّلت نقطة تحول في المسار السياسي للعملية، إذ أحدثت صدمة دولية واسعة ورفعت مستوى الضغط على إسرائيل لإنهاء التصعيد. في هذا السياق، لم يعد استمرار العملية قابلًا للاستدامة سياسيًا أو دبلوماسيًا، ما فتح الباب أمام البحث عن صيغة لوقف النار.
هنا برز ما عُرف بـ"تفاهم نيسان 1996" كإطار غير مباشر لإنهاء العملية. لم يكن التفاهم اتفاق سلام تقليديًا، ولا معاهدة مكتوبة ملزمة، بل صيغة تفاهم سياسي- أمني جرى التوصّل إليها بين الأطراف المعنية، برعاية وضغط دوليين، وذلك بهدف وقف الأعمال القتالية ومنع انفلاتها إلى حرب شاملة.
يقوم جوهر هذا التفاهم على تثبيت قواعد اشتباك جديدة بين إسرائيل و”حزب الله”، أبرزها منع استهداف المدنيين من الجانبين، وتقييد العمليات العسكرية ضمن مناطق محددة، بما يقلّص من احتمالات التصعيد العشوائي. كما تم إنشاء لجنة مراقبة دولية ضمت الولايات المتحدة وفرنسا وسوريا ولبنان وإسرائيل، بهدف متابعة الخروقات ومعالجة أي تطور ميداني بشكل فوري.
تكمن أهمية "تفاهم نيسان" في كونه لم يُنهِ الصراع، بل أعاد تنظيمه. فقد حوّل المواجهة من حرب مفتوحة إلى إدارة مضبوطة للتصعيد، قائمة على توازن ردع غير مباشر. كما أنه مثّل اعترافًا ضمنيًا بوجود "حزب الله" كفاعل ميداني داخل المعادلة الأمنية، حتى وإن بقي خارج الإطار الرسمي للدولة اللبنانية ومن دون اعتراف سياسي مباشر.
بذلك، لم تكن نهاية "عناقيد الغضب" نهاية لحالة الصراع، بل بداية لمرحلة جديدة من ضبطه. مرحلة تحكمها قواعد غير مكتوبة بالكامل، وتوازنات دقيقة، جعلت من الجنوب اللبناني ساحة مواجهة مُدارة أكثر مما هي ساحة حرب محسومة، وهو ما سيستمر تأثيره في السنوات اللاحقة ضمن معادلات أكثر تعقيدًا.
خامسًا: 2000–2006: توازن الردع وحدود الخطاب
مع الانسحاب الإسرائيلي عام 2000، بدا أنّ الجنوب يدخل مرحلة جديدة، وأنّ معادلة القوة قد تغيّرت. وفي خطاب شهير في بنت جبيل، أعلن حسن نصرالله أنّ إسرائيل "أوهن من بيت العنكبوت"، غير أنّ هذا التوصيف، رغم تأثيره التعبوي، حمل في طيّاته قراءة مبسّطة لتوازنات معقّدة.
في المقابل، تُظهر تجربة أنور السادات أنّ استعادة الأرض تحتاج إلى مزيج من الجرأة والحكمة في السياسة، لا عبر الاعتماد على فن الخطاب فقط. ومن هذا المنطلق، تبرز مقارنة حاسمة مع تجربة السادات، الذي خسر سيناء بعد حرب 1967، لكنه لم يكتفِ بإدارة الصراع، بل أعاد صياغته. ففي حرب أكتوبر 1973، استخدم الحرب كأداة لكسر الجمود، لا كغاية بحد ذاتها، ثم استثمرها سياسيًا عبر اتفاقية كامب ديفيد لاستعادة سيناء. الفارق هنا جوهري: القوة كانت مدخلًا للسياسة، لا بديلًا عنها.
في لبنان، لم يتحوّل إنجاز العام 2000 إلى مسار سياسي مماثل، بل بقي ضمن توازن هش، انفجر مجددًا في حرب تموز 2006، التي أدّت الى كشف حدود "توازن الردع" عبر قرار مجلس الأمن 1701، الذي أعاد تنظيم الواقع الأمني في الجنوب، من خلال نشر الجيش اللبناني وتعزيز وجود اليونيفيل. المفارقة أن ما كان يرفضه حزب الله قبل الحرب، أصبح مفروضًا بعدها، ما يؤكد أنّ غياب القرار السياسي الاستباقي غالبًا ما يُستبدل بفرض وقائع بعد الكارثة.
سادسًا: 2006–2026: استقرار هش وانكشاف متجدّد
منذ العام 2006، عاش الجنوب مرحلة استقرار نسبي، لكنها بقيت مشروطة بتوازنات دقيقة. ومع اندلاع أزمات إقليمية، من الحرب السورية إلى جبهات الإسناد المتعددة، عاد الجنوب ليكون جزءًا من صراع أوسع.
بعد 2006، دخل الجنوب مرحلة استقرار نسبي، لكنها بقيت مرتبطة بتوازنات إقليمية. ومع اندلاع حرب غزة في 2024، دخل حزب الله في جبهة إسناد، ما أعاد الجنوب إلى دائرة التصعيد. تكبّد الحزب خسائر بشرية وتنظيمية، وتعرّضت بيئته لضغوط كبيرة، قبل أن تنتهي المرحلة بترتيبات ميدانية غير معلنة بالكامل، تشبه تحديثًا عمليًا لمنطق القرار 1701، من دون حلّ جذري.
في عام 2026، ومع عودة التوغّل الإسرائيلي إلى مناطق مثل بنت جبيل بسبب قرار "حزب الله" المنفرد بدخول جبهة إسناد مع إيران ردًّا على اغتيال علي خامنئي، سقطت مجددًا فرضية الردع المستقر، وبرزت مفارقة لافتة: المكان الذي كان رمزًا لانتصار معنوي، عاد ليكون ساحة اختبار فعلي للقدرة على الصمود. وهنا يتكرّس الدرس التاريخي نفسه: الخطاب لا يحفظ الأرض، بل السياسة المدعومة بالقوة ضمن مشروع دولة.

الازدواجيّة القاتلة
في الخلاصة، لا يمكن قراءة مسار الجنوب منذ الثمانينات بمعزل عن معادلة مزدوجة: صعود حزب الله كقوة تمتلك قرار الحرب، مقابل تراجع الدولة إلى موقع المتفرّج أو المُلحق. فمنذ خروج منظمة التحرير بعد اجتياح لبنان 1982، كان يمكن للبنان أن يستعيد سيادته تدريجيًا، لكنه دخل بدلًا من ذلك في نموذج "الازدواجية القاتلة": سلاح خارج الدولة، وقرار سيادي غير مكتمل داخلها.
هذا النموذج لم يُنتج توازنًا مستقرًا، بل راكم أزمات مؤجّلة. فالتفاهمات من نيسان 1996 إلى قرار مجلس الأمن 1701 لم تكن حلولًا، بل إدارة للصراع، فيما جرى تسويق "الردع" كبديل عن الدولة. لكنّ التجربة الممتدة حتى اليوم أثبتت أن الردع خارج إطار الدولة والشرعية ليس ضمانة، بل مخاطرة مفتوحة: ينجح مرحليًا، لكنه يفشل استراتيجيًا عند أول اختبار كبير.
لقد دفع لبنان ثمن هذا الخيار مرارًا: حروب مدمّرة، نزوح متكرر، اقتصاد منهك، ومجتمع يعيش على حافة الانفجار. وفي كل مرة، كانت النتيجة واحدة: لا نصر نهائي، ولا سلام مستدام، بل إعادة إنتاج للصراع بأشكال مختلفة.
هنا تتكشّف الحقيقة الصلبة والمرّة: فشل حزب الله لا يكمن فقط في عدم إنهاء الصراع، بل في تثبيته كحالة دائمة، خارج أي أفق سياسي واضح. وفي المقابل، فإن غياب الدولة، أو تغييبها لم يكن ظرفًا عابرًا، بل شرطًا لازمًا لاستمرار هذه المعادلة.
ما أوصل لبنان إلى ما هو عليه اليوم ليس قوة الخصوم فقط، بل غياب القرار الواحد، وتفكك مفهوم السيادة. فالدول لا تُقاس بعدد الحروب التي تخوضها، بل بقدرتها على إنهائها بشروطها. وفي هذا الامتحان تحديدًا، فشل لبنان لأنّ الدولة لم تُمنح يومًا فرصة أن تكون الدولة، ولأنّ من أمسك بالسلاح الخارج عنها لم ينجح في تحويله إلى مشروع يحمي وطنًا، بل إلى أداة تُبقيه ساحة مفتوحة ومرهونة لمزاجيات إيران و"حزب الله".