

في تصعيد لافت يعكس خطورة الانزلاق في الخطاب العام، انفجرت في لبنان قضية الحملة المسيئة التي استهدفت البطريرك الماروني الكاردينال بشارة بطرس الراعي، وسط تحرّك رسمي وقضائي سريع لاحتواء تداعياتها ومنع تحولها إلى فتنة تهدد السلم الأهلي.
مصادر متابعة كشفت أن جهات رسمية طلبت من الأجهزة الأمنية والقضاء التحرّك الفوري لتعقّب المسؤولين عن نشر صور وتعبيرات اعتُبرت مهينة للبطريرك، في إطار حملة وُصفت بأنها تتجاوز حرية التعبير إلى مستوى التحريض الطائفي المنظّم. وتزامن ذلك مع مخاوف جدية من تداعيات خطرة لهذه الحملة التي اعتُبرت محاولة لضرب رمزية دينية ووطنية جامعة.
في المواقف، رفعت الرابطة المارونية سقف المواجهة، معتبرة أن ما حصل يشكّل إسفافاً غير مسبوق بحق موقع البطريركية ودورها الوطني، ومعلنة وضع الملف بعهدة القضاء المختص لاتخاذ الإجراءات اللازمة وتوقيف المتورطين. وشددت على أن البطريركية المارونية تبقى مرجعية فوق أي استهداف، لكنها لن تقبل بمرور هذه الإهانات من دون محاسبة، لما تحمله من تهديد مباشر للعيش المشترك.
على المستوى الرسمي، دان رئيس الجمهورية جوزف عون الحملة، مؤكداً أن التعرض للمرجعيات الروحية، مسيحية كانت أم إسلامية، مرفوض ومدان، نظراً لدورها الذي يتجاوز البعد الديني إلى البعد الوطني الجامع. ودعا إلى إبقاء الخلافات ضمن إطارها السياسي وعدم الانحدار إلى الإساءات الشخصية.
بدوره، حذّر رئيس مجلس النواب نبيه بري من مخاطر الانزلاق نحو الفتنة، معتبراً أن استهداف الرموز الدينية يخدم مشاريع ضرب وحدة اللبنانيين. وفي السياق نفسه، شدد رئيس الحكومة نواف سلام على رفض خطاب الكراهية والتشهير، داعياً إلى التحلي بالوعي لمنع تفجير الأوضاع الداخلية.
أما على الصعيد الديني، فقد شكّل التضامن العابر للطوائف عنوان المرحلة. إذ أجرى مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان اتصالاً بالبطريرك الراعي مستنكراً الإساءة، ومؤكداً أن ما حصل يمس الكرامة الوطنية برمّتها. كما عبّر شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز سامي أبي المنى عن تضامنه، معتبراً أن الإساءة تطاول جميع اللبنانيين.
كذلك صدرت مواقف مماثلة عن المرجعيات الشيعية، حيث دان نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى علي الخطيب هذه الممارسات، محذراً من انعكاساتها على الاستقرار، فيما شدد المفتي الجعفري الممتاز أحمد قبلان على رفض تحويل الخلاف السياسي إلى إساءة شخصية، مؤكداً الشراكة الوطنية بين مختلف المكونات.
سياسياً، تلاحقت مواقف الاستنكار، إذ اعتبر رئيس حزب الكتائب سامي الجميّل أن بكركي "جبل لا يهتز"، فيما استنكر رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الحملة، معتبراً أنها امتداد لمحاولات سابقة لاستهداف الدور الوطني للبطريركية. كما أعلن عدد من النواب والقيادات نيتهم التوجه قضائياً لملاحقة المتورطين.
في موازاة ذلك، رأت شخصيات سياسية أن ما جرى يعكس انحداراً خطيراً في الخطاب العام، ويؤشر إلى مرحلة جديدة من التفلّت الإعلامي، قد تكون إما منظمة وموجّهة بهدف الترهيب، أو نتيجة فقدان السيطرة على جمهور حزبي في ظل تحولات داخلية عميقة.
وتتقاطع هذه القراءة مع تحليلات تربط الحملة بسياق أوسع داخل حزب الله، حيث يرى مراقبون أن ما بعد مرحلة حسن نصرالله يشهد تبدلات ملحوظة في الأداء والانضباط، تعيد إلى الأذهان بدايات الحزب في ثمانينيات القرن الماضي، حين غابت المركزية الصارمة.
في الخلاصة، لا تبدو القضية مجرد حملة إلكترونية عابرة، بل اختباراً جدياً لقدرة الدولة والمجتمع على ضبط الخطاب العام ومنع انزلاقه إلى صراع طائفي، في بلد يقف أصلاً على حافة أزمات متراكمة، حيث تبقى شرارة واحدة كفيلة بإشعال ما لا تُحمد عقباه.

