BeiruTalkالأخبار بوضوح
Advertisement
Advertisement
BeiruTalk
عاجل
غارات عنيفة تهز البقاع تزامنا مع تحليق الطيران الحربي "أطباء بلا حدود": استمرار الهجمات في الجنوب يفاقم الاحتياجات الإنسانية رغم إعلان وقف إطلاق النارانطلاق الجولة الثالثة من المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في جنيفبين واشنطن وطهران: من يرسم حدود النار في المنطقة؟«Liste de mariage»: استعادة ثقة الجمهور بالكوميديا الرومانسية اللبنانيةصراعات يخوضها أفراد عائلة الجمل وقضايا أخلاقية وجنائية وقضائية تُطبخ في "مطبخ المدينة" على "MBC دراما" و"MBC شاهد" في رمضانضرائب مقابل رواتب… الحكومة تشتري الوقت والشارع يغليأ.ف.ب : السعودية وقطر وعُمان أقنعت ترامب بـ"منح إيران فرصة"
بين واشنطن وطهران: من يرسم حدود النار في المنطقة؟

بين واشنطن وطهران: من يرسم حدود النار في المنطقة؟

روي أبو زيد٢٦ شباط ٢٠٢٦
3 دقائق قراءة
مشاركة

في جنيف، لا تُناقش إيران والولايات المتحدة اتفاقًا تقنيًا حول نسبة تخصيب اليورانيوم، بل تفاوضان على شكل الشرق الأوسط في العقد المقبل. ما يجري ليس مجرد محاولة لإحياء اتفاق نووي متآكل، بل صراع على قواعد الاشتباك الكبرى: من يضبط الإيقاع؟ من يرسم حدود القوة؟ ومن يملك حق تعريف الأمن في المنطقة؟

الواقع أنّ الطرفين يلتقيان اليوم عند نقطة توازن هشّ: لا حرب شاملة ممكنة، ولا سلام شامل متاح. واشنطن التي أنهكتها الحروب المفتوحة من أفغانستان إلى العراق، تبحث عن إدارة الصراع لا حسمه. أما إيران، التي أثبتت قدرتها على التمدد عبر الحروب بالوكالة، فتسعى إلى تثبيت نفوذها كأمر واقع، من دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تطيح بنظامها أو تدمّر بنيتها الاقتصادية.

في حال التوصل إلى اتفاق، لن يكون ذلك انتصارًا لأي طرف، بل اعترافًا متبادلًا بحدود القوة. الولايات المتحدة ستقبل بإيران نووية على حافة العتبة، مقابل ضبط سلوكها الإقليمي نسبيًا. وإيران ستقبل بتجميد اندفاعها النووي، مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية وفتح نوافذ مالية تسمح لها بالتنفس. هذا الاتفاق، إن حصل، لن يطفئ الحرائق، بل سيضعها تحت السيطرة.

لكن الخطر الأكبر يكمن في أن الاتفاق سيؤسس لمرحلة «الاستقرار البارد»: هدوء أمني نسبي، يقابله ترسيخ لواقع النفوذ. ستتحول المنطقة إلى نظام توازن ردع دائم، حيث تُدار الأزمات بدل حلّها. العراق سيبقى ساحة نفوذ مزدوجة، سوريا منطقة تقاسم غير معلن، واليمن مسرحًا للهدن المؤقتة. أما الخليج فسيواصل سباق التسلّح تحت مظلة الردع الأميركي.

في المقابل، فشل المفاوضات لن يعني الحرب المباشرة، بل الانزلاق إلى فوضى محسوبة. إسرائيل ستتحرك بحرية أكبر لضرب البنية الإيرانية في سوريا وربما أبعد، فيما ستعتمد طهران سياسة الاستنزاف عبر ساحات الظل: البحر الأحمر، القواعد الأميركية، والممرات البحرية. المنطقة ستعيش حالة توتر دائم، يرفع كلفة الاقتصاد ويخفض سقف الاستقرار.

لبنان، في قلب هذه المعادلة، ليس مجرد متفرّج بل رهينة. فكل مسار تفاوضي بين واشنطن وطهران ينعكس مباشرة على إيقاعه الداخلي. الاتفاق قد يمنح لبنان هدنة أمنية جنوبًا، لكنه لن يمنحه دولة. قد يسهّل انتخاب رئيس، لكنه لن يعيد بناء المؤسسات. لأن جوهر الأزمة لبناني قبل أن يكون إقليميًا: نظام سياسي عاجز، طبقة حاكمة تستهلك الوقت، ودولة تتآكل من الداخل.

أما الفشل، فسيُبقي لبنان ساحة رسائل. الحدود الجنوبية ستبقى قابلة للاشتعال في أي لحظة، والاقتصاد سيظل معلّقًا على شبح الحرب. لا استثمارات، لا إصلاحات، ولا إعادة إعمار. فقط إدارة انهيار بطيء، يهاجر فيه البشر وتتفكك فيه الدولة.

الأخطر أنّ لبنان لم يعد ورقة تفاوضية مركزية كما في السابق، بل ساحة ثانوية ضمن شبكة أوسع من الاشتباكات. غزة اليوم في الصدارة، والبحر الأحمر ممر حيوي، وأمن الطاقة أولوية. ما يعني أن أي تسوية أميركية – إيرانية قد تمرّ من فوق لبنان لا عبره. وهذا ما يفسّر التراجع النسبي في الاهتمام الدولي به، رغم هشاشته القصوى.

في العمق، الشرق الأوسط يتجه إلى نموذج جديد: لا انتصارات نهائية، ولا هزائم حاسمة. توازنات مرنة، تحالفات متبدّلة، وصراعات منخفضة الوتيرة لكنها طويلة الأمد. هذا النموذج يفرض على الدول القادرة التكيّف، لكنه يدفع الدول الهشة إلى مزيد من التفكك.

لبنان اليوم أمام خيار وجودي: إمّا أن يبقى ساحة تُدار من الخارج، أو يتحوّل إلى دولة قادرة على إنتاج توازنها الداخلي. المشكلة أنّ النخب السياسية لا تزال تراهن على الخارج بدل بناء الداخل، وعلى التسويات الإقليمية بدل الإصلاح الوطني. وهنا يكمن التهديد الحقيقي: ليس في نتائج جنيف، بل في غياب مشروع لبناني مستقل.

لهذا، سواء وُقّع الاتفاق أو انهار، فإنّ لبنان سيبقى في منطقة الخطر. الفرق الوحيد أنّ الاتفاق يمنحه وقتًا إضافيًا لتأجيل الانهيار، بينما الفشل يسرّع سقوطه. وفي الحالتين، لا خلاص من دون إعادة تعريف الدولة نفسها: سلطة، سيادة، واقتصاد. أما الرهان على الخارج، فقد أثبت أنه مجرد إدارة لزمن الانهيار، لا طريق للخروج منه.

الوسوم