
حين تتحوّل الحرب إلى سرديّة: قراءة نقديّة في خطاب وفيق صفا
لبنان يُقاد إلى حرب لا يملك قرارها، ويُطلب منه أن يتحمّل نتائجها، ويُمنع في الوقت نفسه من مناقشة أسبابها.

لبنان يُقاد إلى حرب لا يملك قرارها، ويُطلب منه أن يتحمّل نتائجها، ويُمنع في الوقت نفسه من مناقشة أسبابها.
في بلدٍ يقف على حافة الانهيار الشامل، لا يعود الخطاب السياسي مجرّد رأي، بل يصبح فعلًا مؤثّرًا في مصير جماعي. من هنا، لا يمكن قراءة خطاب وفيق صفا بوصفه موقفًا عابرًا، بل باعتباره نموذجًا مكتمل الأركان لما يُعرف في تحليل الخطاب السياسي بـ"السرديّة التعبويّة" (Mobilizing Narrative): بناء لغوي يُعاد فيه تشكيل الواقع لا لشرحه، بل لاحتوائه وتبريره، ولو على حساب الحقيقة.
منذ السطر الأول، يقدّم الخطاب فرضيّة مركزية: الحرب لم تحقّق أهداف إسرائيل والولايات المتحدة. هذا الادعاء، الذي يبدو للوهلة الأولى صلبًا، يقوم في الواقع على "مغالطة معيار التقييم الأحادي" (Single Benchmark Fallacy)، حيث تُختزل نتيجة حرب معقّدة في معيار واحد: سقوط الهدف النهائي أو عدمه. لكنّ الحروب، كما تُظهر الأدبيات الاستراتيجية، لا تُقاس بهذه السذاجة. يكفي أن تُضعف الخصم، أن تُعيد تشكيل بيئته، أن تدفعه إلى الانكفاء أو الاستنزاف، حتى تكون قد حقّقت جزءًا وازنًا من أهدافك. ما نعيشه اليوم ليس انتصارًا لأحد، بل نموذجًا كلاسيكيًا لـ"اللا حسم المُكلف" (Costly Stalemate)، مع فارق جوهري: من يدفع الكلفة الأكبر هو لبنان، لا إسرائيل.
ومع ذلك، يحاول الخطاب تسويق نوع من التكافؤ بين الخسائر، في مقاربة تتجاهل أحد أبسط مفاهيم الحرب: "عدم تكافؤ القدرة على التحمّل" (Asymmetry of Absorption Capacity). لبنان، المنهك اقتصاديًا، المفكّك مؤسساتيًا، لا يمتلك القدرة على تحمّل حرب استنزاف طويلة. كل يوم حرب فيه يُراكم خسائر وجوديّة، لا يمكن تعويضها. في المقابل، تمتلك إسرائيل بنية دولة قادرة على إعادة الإنتاج السريع. وعليه، فإنّ المقارنة بين دمار هنا ودمار هناك ليست تحليلًا، بل تضليلٌ منهجي.
غير أنّ الأخطر من كلّ ذلك، هو لحظة الانكشاف الصريح في الخطاب: الاعتراف بأنّ الدخول في الحرب كان أيضًا "ثأرًا". هنا، لا يعود النقاش سياسيًا أصلًا. نحن أمام انتقال فاضح من "القرار السياسي العقلاني" (Rational Policy Decision) إلى "القرار الانفعالي" (Affective Decision-Making). أي أنّ الحرب لم تُخَض وفق حسابات الدولة، بل وفق منطق الغريزة الجماعية. وهذا ليس تفصيلًا لغويًا، بل اعترافٌ مباشر بأنّ قرار الحرب خرج من إطار الدولة، ودخل في حيّز التنظيم، حيث الكرامة تُقدَّم على المصلحة، والثأر على الحساب.
وهنا تحديدًا تنكشف المعضلة اللبنانية بأوضح صورها: من يقرّر الحرب ليس من يدفع كلفتها.
هذا الانفصال يتكرّس أكثر في التناقض الفجّ داخل الخطاب نفسه. الحزب، وفق صفا، هو جزء من الدولة والحكومة، لكنه في الوقت عينه يتّهم هذه الدولة بالفتنة، ويرفض قراراتها، ويصنّفها كـ"خطيئة كبرى". هذه الحالة تُعرّف علميًا بـ"ازدواجيّة السيادة" (Dual Sovereignty)، أي وجود سلطة رسمية شكلية، وأخرى فعلية تمتلك القرار الحقيقي. وفي هذه الحالة، لا تعود الدولة دولة، بل واجهة.
الأخطر أنّ الخطاب لا يكتفي بوصف هذه الازدواجيّة، بل يعمل على تكريسها كأمر طبيعي. فحين يُعلَن أنّ السلاح "غير قابل للنقاش لا قبل الحرب ولا بعدها"، نكون أمام إقفال كامل للحقل السياسي. هذا ليس موقفًا، بل إعلان صريح عن قيام "نظام أمر واقع" (De Facto Regime)، يتجاوز الدولة ومؤسساتها، وينقض مبدأ "احتكار الدولة للعنف الشرعي" كما حدّده ماكس فيبر. أي أنّنا أمام سلطة تُقرّر الحرب، وتمنع النقاش حولها، وتطلب في الوقت نفسه شرعيّة الدولة.
ولحماية هذا البناء المتناقض، يلجأ الخطاب إلى ما يُعرف بـ"الإطار السردي الشامل" (Grand Narrative Frame)، عبر ربط كلّ ما يجري بمشروع "إسرائيل الكبرى". هذه السرديّة، على الرغم من جاذبيتها التعبويّة، تعمل كأداة تبسيط مفرط، تختزل تعقيدات المنطقة في مخطط واحد، وتُعفي صاحب القرار من أي مساءلة داخلية. فحين يصبح كلّ شيء جزءًا من مؤامرة كبرى، يُلغى النقاش، ويُجرَّم السؤال.
وفي موازاة ذلك، يطرح صفا فكرة أنّ "الضغط الميداني" هو السبيل الوحيد لفرض شروط التفاوض. هذه الفكرة صحيحة نظريًا، لكنها في الحالة اللبنانية تتحوّل إلى وهم. لأنّ الضغط، كي يتحوّل إلى مكسب، يحتاج إلى دولة قادرة على استثماره سياسيًا. أما في لبنان، حيث القرار موزّع، والمؤسسات ضعيفة، فإنّ الضغط الميداني يتحوّل إلى استنزاف داخلي، لا إلى ورقة تفاوض.
ما يقدّمه هذا الخطاب، في النهاية، ليس تحليلًا للحرب، بل إعادة تعريف لها. هو محاولة منهجيّة لتحويل الخسارة إلى إنجاز، والانفعال إلى خيار استراتيجي، وازدواجيّة السلطة إلى قاعدة حكم. لكنّ هذه السرديّة، مهما بلغت قوتها، تصطدم بحقيقة لا يمكن طمسها:
لبنان يُقاد إلى حرب لا يملك قرارها، ويُطلب منه أن يتحمّل نتائجها، ويُمنع في الوقت نفسه من مناقشة أسبابها.
وهنا، لا تعود المشكلة في الخطاب بحدّ ذاته، بل في قدرته على تغطية واقع أكثر قسوة:
واقع دولة مفرّغة من قرارها، وسلطة تمارس السيادة من خارجها، وشعب يدفع الثمن مرّتين: مرّة في الحرب، ومرّة في تبريرها.