
نواف سلام: ضرورة وطنية في لحظة الانقسام
اختار سلام مساراً صعباً: عدم الانجرار إلى خطاب مضاد، وعدم الرد على التخوين بتخوين

اختار سلام مساراً صعباً: عدم الانجرار إلى خطاب مضاد، وعدم الرد على التخوين بتخوين
في لحظة لبنانية تختلط فيها المخاوف بالانقسامات، وتضيق فيها هوامش القرار إلى حدّها الأدنى، يبرز نواف سلام كأحد القلائل الذين يحاولون مقاربة الأزمة بعقل الدولة لا بغرائز الصراع. فالرجل لا يتحرك في ظروف طبيعية، بل في بيئة سياسية وأمنية شديدة الهشاشة، حيث تتداخل الحسابات الداخلية مع الضغوط الخارجية، وحيث يصبح أي خيار عرضة للتشكيك والتخوين قبل أن يُختبر على أرض الواقع.
سلام، القادم من خلفية قانونية ودبلوماسية، يدرك أن لبنان لم يعد يحتمل مغامرات جديدة، وأن الأولوية لم تعد تسجيل المواقف بل منع الانهيار الشامل. من هنا، تتشكل مقاربته على قاعدة بسيطة لكنها صعبة التطبيق: تقليل الخسائر، واحتواء التوتر، ومنع الانزلاق إلى فتنة داخلية قد تكون كلفتها وجودية. فهو لا يسعى إلى كسر التوازنات دفعة واحدة، بل إلى إدارتها بحذر، محاولاً إعادة الاعتبار لفكرة الدولة كمرجعية وحيدة، في بلد اعتاد على تعدد مراكز القرار.
ضمن هذا السياق، تكتسب المفاوضات المرتقبة في واشنطن أهمية استثنائية، ليس لأنها ستنتج بالضرورة اتفاقاً تاريخياً بين لبنان وإسرائيل، بل لأنها تمثل محاولة جدية لضبط إيقاع الصراع ومنع توسعه. فالمطلوب، وفق المقاربة التي يعمل عليها سلام، ليس سلاماً سياسياً شاملاً بقدر ما هو تثبيت حد أدنى من الاستقرار: تهدئة الجبهة الجنوبية، حماية المدنيين، فتح الباب أمام إعادة الإعمار، وإبقاء لبنان خارج سيناريو الحرب المفتوحة.
غير أن هذا الخيار الواقعي، الذي قد يبدو بديهياً في منطق الدول، تحوّل في الداخل اللبناني إلى مادة خلاف حاد. فقد تعرّض سلام لحملات تخوين واسعة، لا سيما من جمهور حزب الله، حيث جرى تصوير أي انخراط في مسار تفاوضي، حتى ولو كان غير مباشر، على أنه تنازل أو انحياز، ووصلت الاتهامات إلى حدّ نعته بـ“الصهيوني”. وهذه الحملات لا تعكس فقط اعتراضاً سياسياً، بل تعبّر عن انقسام عميق حول هوية لبنان وخياراته: بين من يرى في المواجهة خياراً دائماً، ومن يعتبر أن إدارة الصراع وتخفيف كلفته هي السبيل الوحيد لحماية ما تبقى من الدولة.
أمام هذا الواقع، اختار سلام مساراً صعباً: عدم الانجرار إلى خطاب مضاد، وعدم الرد على التخوين بتخوين، بل الإصرار على إبقاء النقاش ضمن إطاره السياسي والمؤسساتي. فهو يدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم ليس فقط فشل المفاوضات، بل تحوّل الخلاف السياسي إلى شرخ داخلي مفتوح. لذلك، يركّز في خطابه على المشترك اللبناني، وعلى الاعتراف بآلام جميع الفئات، في محاولة لامتصاص التوتر ومنع ترجمته في الشارع.
لكن التحدي الأكبر الذي يواجهه لا يكمن فقط في إدارة هذا التوازن الداخلي، بل في الربط بينه وبين مسار خارجي شديد التعقيد. فنجاح مفاوضات واشنطن لن يكون كافياً إذا لم يجد له ترجمة داخلية قابلة للحياة، كما أن أي فشل قد يضع لبنان أمام سيناريوهات أكثر خطورة. وبين هذين الاحتمالين، يحاول سلام أن يمسك بخيط رفيع: أن يفاوض من دون أن يتنازل عن الثوابت، وأن يهدّئ من دون أن يظهر بمظهر الضعيف، وأن يحمي الداخل من دون أن يعزله عن توازنات الخارج.
في المحصلة، لا يمكن تقييم تجربة نواف سلام بمعايير الربح والخسارة التقليدية، بل بقدرته على منع الأسوأ في مرحلة تكاد تخلو من الخيارات الجيدة. فهو لا يقدّم وعوداً كبرى، ولا يرفع شعارات حادة، بل يراهن على شيء أكثر صعوبة: إبقاء لبنان واقفاً، ولو على حافة الهاوية، بانتظار لحظة إقليمية أقل توتراً تسمح بإعادة بناء ما تهدّم. وفي بلد أنهكته الحروب والانقسامات، قد يكون هذا الدور، بحد ذاته، شكلًا نادراً من أشكال الشجاعة السياسية.