
"شربل... القديس اللي من عنّا": حين تتكلم السماء بلسان البشر… وتُروى القداسة من قلب الحياة
يتحوّل الوثائقي من عمل إعلامي إلى مساحة تأمل.

يتحوّل الوثائقي من عمل إعلامي إلى مساحة تأمل.
لا يبدأ وثائقي "شربل... القديس اللي من عنّا" من الخبر، بل من النور. من ذاك الحضور الخفي الذي لا يُرى، لكنه يُلمس في قصص الناس ودموعهم وصلواتهم. الوثائقي الذي يتناوله التقرير ليس مجرد عمل بصري، بل أشبه برحلة حجٍّ عبر العالم، تتبع أثر القديس شربل، لا في الكتب، بل في القلوب.
منذ اللحظة الأولى، يضعنا الوثائقي أمام حقيقة مختلفة: مار شربل لم يعد مجرد ناسك عاش في صمت عنايا، بل صار لغةً روحية يفهمها الجميع. في كل مدينة، في كل شهادة، في كل لقاء، يظهر هذا القديس كأنّه ما زال يسير بين الناس، يلمس جراحهم، ويزرع فيهم رجاءً لا يُفسَّر. هنا، لا تكون الشهادات مجرد روايات، بل صلوات حيّة، تنبض بإيمانٍ عابر للحدود، وكأن السماء اختارت أن تتكلم بلسان البشر.

في عمق هذا العمل، يبرز حضور الإعلامي ايلي أحوش، لا كمراسل، بل كشاهد. هو لا يروي القصة من الخارج، بل يدخل فيها، يتأملها، ويبحث عن معناها. في وثائقياته الإيمانية، يبدو كمن يسير على دربٍ داخلي، يلتقط التفاصيل الصغيرة التي تختبئ فيها الحقيقة الكبرى: أن الإيمان ليس فكرة، بل اختبار حياة. عدسته لا تصوّر فقط، بل تُصغي… تصغي إلى وجع الناس، إلى صلواتهم، إلى اللحظات التي يلتقون فيها بشيء أكبر منهم.
أما الوثائقي نفسه، فيحملنا من مكان إلى آخر، كأننا في مسيرة روحية لا جغرافية. وجوه مختلفة، لغات متعددة، ثقافات متباينة، لكن الشعور واحد: حضور مار شربل. حضور لا يُقاس بالمسافة، بل بالقرب الداخلي. وكأن هذا القديس، الذي عاش في عزلة، اختار أن يكون قريباً من الجميع، في زمنٍ يزداد فيه البعد.

وفي قلب كل ذلك، تتكشف رسالة أعمق: أن العالم، رغم ضجيجه، لا يزال عطشاناً إلى معنى. وهذه الشهادات التي يعرضها الوثائقي ليست إلا دليلًا على أن الإنسان، أينما كان، يبحث عن نورٍ يهديه، وعن يدٍ تمتد إليه في لحظة ضعفه.
هكذا، يتحوّل الوثائقي من عمل إعلامي إلى مساحة تأمل. ومن تقرير إلى صلاة مفتوحة على العالم. وبين MTV التي حملت هذه الرسالة، وإيلي أحوش الذي عاشها بعدسته، ومار شربل الذي يظلّ سرّها، تتكوّن حكاية لا تُروى بالكلمات .فقط، بل تُعاش… في القلب