BeiruTalkالأخبار بوضوح
Advertisement
BeiruTalk
عاجل
عراقجي الى موسكو الإثنيناستمرار الغارات الإسرائيلية على الجنوباعتداء أمام كنيسة مار يوسف في الجديدة...ما الذي حصل؟جنبلاط يزور الشرع في سورياتصعيد في جنوب لبنان رغم الهدنة: غارات إسرائيلية واشتباك بالمسيّرات مع حزب الله يهددان بانهيار التفاهماتما الذي حصل في ساقية الجنزير؟ترامب يهاجم “فوضى القيادة” في إيران ويلغي مفاوضات إسلام آباد وسط غموض المسار الدبلوماسيعون يفتح مسار التهدئة: اتصالات مع ترامب وروبيو واجتماع حاسم في واشنطن
الفاعل والمفعول به: حين تنقلب الأدوار بين اللغة والسياسة
زاوية المحرّر١٧ آذار ٢٠٢٦2 دقائق قراءة

الفاعل والمفعول به: حين تنقلب الأدوار بين اللغة والسياسة

لم يعد “حزب الله” فاعلاً يُنتج الحدث، بل مفعولًا به يتلقّى إيقاعه.

روي أبو زيد١٧ آذار ٢٠٢٦
2 دقائق قراءة
مشاركة

في اللغة العربية، لا يُفهم المعنى إلا من خلال تحديد الأدوار: من الفاعل؟ ومن المفعول به؟ الفاعل هو من يقوم بالفعل، يمتلك الإرادة والمبادرة والتأثير. أما المفعول به، فهو من يقع عليه الفعل، يتلقّى التأثير أكثر مما يصنعه. هذه الثنائية ليست مجرّد قاعدة نحوية، بل هي بنية فكرية تختصر علاقة القوة بالفعل، والإرادة بالنتيجة.

فالفاعل في الجملة ليس مجرد عنصر لغوي، بل هو مركز الحركة. به يبدأ الحدث، ومنه يتفرّع المعنى. أما المفعول به، فحضوره مرتبط بالفعل الواقع عليه؛ وجوده تابع، ودوره انعكاسي. وإذا غاب الفاعل، ضاع الفعل، أما إذا غاب المفعول به، فيبقى الفعل قائماً بحدّه الأدنى. هكذا تُبنى اللغة: على أولوية الفعل ومن يُنجزه.

لكن ما يبدو بديهيًا في النحو، يصبح معقّدًا حين ننتقل إلى السياسة.

في الخطاب السياسي، تحرص القوى الحقيقية على تقديم نفسها كفاعل: صاحبة قرار، رؤية قياديّة، إطلاق مشروع... غير أنّ الفعل الحقيقي لا يُقاس بالكلام بل بالنتائج. هنا تحديدًا، يبدأ الانفصال بين “الفاعل بالقول” و”الفاعل بالفعل”.

في الحالة الإيرانية، لطالما قدّمت طهران نفسها كفاعل إقليمي مركزي، يمسك بخيوط متعددة في المنطقة، من العراق إلى سوريا فلبنان. وقد بنت هذه الصورة على شبكة نفوذ عسكرية وأمنية، أبرز تجلياتها في دور “حزب الله” في لبنان، الذي ظهر لسنوات كفاعل عابر للحدود، قادر على المبادرة والتأثير، لا مجرّد متلقٍّ للقرارات.

لكن التحوّلات الأخيرة، خصوصًا في سياق الحرب الأخيرة وما سبقها من فشل في ما سُمّي “حرب الإسناد”، كشفت خللاً بنيويًا في هذا التصوّر.

ففي تلك الحرب، لم يكن القرار في بيروت، ولا حتى في الضاحية، بل في مكان آخر. تحوّل “الفعل” إلى ردّ فعل، والمبادرة إلى استجابة. لم يعد “حزب الله” فاعلاً يُنتج الحدث، بل مفعولًا به يتلقّى إيقاعه. يحرّك الجبهة حين يُطلب منه، ويجمّدها حين يُفرض عليه. هكذا انتقل من موقع “من يفعل” إلى موقع “من يُفعل به”.

الأمر لا يتوقف عند البعد العسكري. سياسيًا أيضًا، بدا الحزب عاجزًا عن فرض معادلات داخلية، أو حتى حماية توازنات كان يدّعي أنه يرعاها. ومع تصاعد الضغوط الدولية والإقليمية على إيران، تحوّل جزء من أدواتها، ومنها “حزب الله”، إلى أوراق تفاوض أكثر منها أدوات فعل مستقل.

بهذا المعنى، لم يعد الحديث عن “محور فاعل” دقيقًا كما كان يُسوّق له. بل نحن أمام شبكة تتراجع فيها القدرة على الفعل، وتزداد فيها قابلية التلقّي. الفاعل الحقيقي هو من يملك قرار الحرب والسلم، لا من ينفّذ أو ينتظر الإشارة.

اللغة هنا تفضح السياسة.

فالفاعل ليس من يرفع صوته، بل من يصنع الفعل. والمفعول به ليس من يصمت، بل من يُدار. وبينهما مسافة تختصر حقيقة القوة.

في الخلاصة، كما في الجملة العربية، كذلك في الجغرافيا السياسية: لا يكفي أن تُسمّي نفسك فاعلاً. الفاعل يُعرَف من أثره، لا من خطابه. وما لم يُستعد القرار، ستبقى الأدوار مقلوبة: فاعل في الكلام، مفعول به في الواقع.

الوسوم