BeiruTalkالأخبار بوضوح
Advertisement
Advertisement
BeiruTalk
عاجل
غارات عنيفة تهز البقاع تزامنا مع تحليق الطيران الحربي "أطباء بلا حدود": استمرار الهجمات في الجنوب يفاقم الاحتياجات الإنسانية رغم إعلان وقف إطلاق النارانطلاق الجولة الثالثة من المحادثات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة في جنيفبين واشنطن وطهران: من يرسم حدود النار في المنطقة؟«Liste de mariage»: استعادة ثقة الجمهور بالكوميديا الرومانسية اللبنانيةصراعات يخوضها أفراد عائلة الجمل وقضايا أخلاقية وجنائية وقضائية تُطبخ في "مطبخ المدينة" على "MBC دراما" و"MBC شاهد" في رمضانضرائب مقابل رواتب… الحكومة تشتري الوقت والشارع يغليأ.ف.ب : السعودية وقطر وعُمان أقنعت ترامب بـ"منح إيران فرصة"
«Liste de mariage»: استعادة ثقة الجمهور بالكوميديا الرومانسية اللبنانية

«Liste de mariage»: استعادة ثقة الجمهور بالكوميديا الرومانسية اللبنانية

روي أبو زيد١٨ شباط ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
مشاركة

يشكّل فيلم «Liste de mariage» كتابة طارق سويد، وإخراج رندة علم، إنتاج سين بروداكشن، وتنفيذ الإنتاج لمي أبي رعد، إضافة نوعيّة إلى مسار الكوميديا الرومانسية في السينما اللبنانية، ليس فقط بوصفه عملاً ترفيهيًا موجّهًا إلى جمهور واسع في موسم الحب، بل لأنّه يقدّم مقاربة نقدية هادئة لعلاقات الحب والزواج في مجتمع يعيش تحوّلات اقتصادية واجتماعية عميقة. الفيلم ينجح في الجمع بين الخفّة والعمق، مقدّمًا سردًا قريبًا من الواقع، وقادرًا في الوقت عينه على فتح نقاش حول الخيارات الفردية، والضغوط العائلية، ومعنى الالتزام الجدّي في علاقات حبّ تُثمرُ زواجًا ناجحًا.

تتجلّى قوّة العمل أولاً في كتابة طارق سويد، التي تُعدّ الركيزة الأساسية في بناء الفيلم. النصّ متماسك، واقعي، وذكي، يعتمد على الحوار الحيّ القريب من نبض الشارع اللبناني. سويد لا يستنسخ قوالب الكوميديا الرومانسية الغربية، بل يعيد صياغتها ضمن سياق محلي، حيث تتداخل الاعتبارات العاطفية مع الضغوط المادية والطبقية. الفُكاهة في النص ليست غاية بحدّ ذاتها، بل وسيلة لطرح الأسئلة وتفكيك المسلّمات الاجتماعية، خصوصًا تلك المرتبطة بصورة الزواج كمعيار للنجاح والاستقرار. الشخصيات ليست مثالية، بل متردّدة، هشّة، وقابلة لارتكاب الأخطاء، ما يمنحها صدقية إنسانية ويجعل تطوّرها الدرامي مقنعًا.

ينعكس هذا النضج الكتابي في البناء الدرامي للفيلم، الذي يقوم على "كريشندو" نفسي داخلي متدرّج أكثر من اعتماده على المفاجآت أو الانقلابات الحادّة. العلاقات تبدأ بلقاءات عفوية تبدو يوميّة وعادية، لكنّها تحمل منذ لحظتها الأولى بذور التحوّل. فالتفاصيل الصغيرة، من مزحة عابرة أو سوء فهم بسيط، تتحوّل مع الوقت إلى نقاط مفصلية في مسار الشخصيات. ومع تسارع الأحداث وتداخل الحبكات القصصية، تنكشف الخلفيات النفسية والاجتماعية لكل شخصية، فيصبح ما يبدو بسيطًا في البداية جزءًا من شبكة درامية أوسع وأكثر تعقيدًا.

هذا التدرّج يمنح المتفرّج شعورًا بأنّه يواكب نموّ العلاقة خطوةً بخطوة، وكأنّه شاهد على تطوّرها لا متلقٍ لها فقط. فكلّ مواجهة، وكلّ لحظة صمت هي نتيجة تراكم التجارب والمواقف السابقة. بذلك، تتحوّل الذروة العاطفية إلى لحظة نابعة من منطق الشخصيات ومسارها، لا من حدث خارجي مفاجئ، ما يعزّز صدقية السرد ويجعل الانخراط العاطفي للجمهور أعمق وأكثر استمرارية. كما أنّ هذا الأسلوب يمنح العمل إيقاعًا متوازنًا، يجمع بين الخفّة الظاهرة للكوميديا الرومانسية والعمق النفسي الذي يتيح قراءة العمل على مستويات عدّة.

image

في هذا السياق، يبرز أداء سمارة نهرا في دور خالة كارلوس عازار كعنصر محوري في تثبيت هذا البناء. الشخصية تؤدّي وظيفة درامية دقيقة، إذ تمثّل ذاكرة العائلة وصوت الحكمة والواقعية، لكنها في الوقت نفسه تحمل حسًّا فكاهيًّا وإنسانيًا يمنعها من التحوّل إلى نموذج تقليدي. نهرا تقدّم أداءً قائمًا على الصّدق في التعبير، حيث نلحظ أنّ نظرتها وصمتها يؤدّيان دورًا مكمّلًا للكلمة، فتتحوّل اللحظة البسيطة إلى مساحة تعبير عاطفي. حضورها يمنح الفيلم توازنًا بين اندفاع الشباب وهدوء التجربة، ويضيف طبقة وجدانية تُعمّق الصراع الداخلي للشخصيات. في أدائها روح كوميدية عميقة، تنبع من الفهم لا من المبالغة. فهي تعرف كيف توظّف الإيقاع، والنبرة، والتوقّف بين الكلمات، لتصنع مفارقة إنسانية تجعل المتفرّج يتماهى معها. في لحظة واحدة، يمكنها أن تنقل المشهد من خفّة الظل إلى وجع صادق، ومن ابتسامة عابرة إلى تأثّر حقيقي. هذه القدرة على الانتقال السريع بين الضحك والبكاء تمنح الشخصية حياة نابضة، وتجعلها مرآة لتجاربنا اليومية.

بهذا الأداء، تتحوّل الخالة من شخصية مساندة إلى ركيزة عاطفية في الفيلم. وجودها لا يقدّم النصيحة فقط، بل يفتح أمام الشخصيات الأخرى مساحة للتأمّل وإعادة النظر في خياراتها. إنّها تمثّل الحكمة المتصالحة مع الحياة، القادرة على التعامل مع المصاعب من دون إنكارها، وعلى تحويل التجربة إلى طاقة إنسانية دافئة تصل مباشرة إلى الجمهور.

أما إخراج رندة علم، فيشكّل قلب التجربة البصرية والعاطفية للفيلم. علم تقدّم مقاربة متوازنة تجمع بين الحسّ الإنساني والوعي الجمالي، فتدير الإيقاع بدقّة، وتضع الكاميرا في خدمة المشاعر والشخصيات. هذا الاختيار يمنح الفيلم صدقية واضحة، ويجعل المتفرّج قريبًا من التجربة، كأنّه جزء من عالمها.

يتجلّى هذا النهج في اعتمادها على اللقطات القريبة وتفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحوّل المساحات البسيطة إلى فضاء درامي غني. فابتسامة عابرة، ارتباك في لقاء أول، أو صمت ثقيل بين جملتين، لحظات تمنح الفيلم دفئًا بصريًا وعمقًا وجدانيًا، وتُبرز قدرة الممثّلين على التعبير عبر التفاصيل لا عبر المبالغة.

ويُحسب لعلم أيضًا إدارتها الدقيقة للأداء التمثيلي، إذ يظهر بوضوح أنّها تمنح كل ممثّل مساحة للبحث والتطوّر داخل الشخصية. هذا التوجيه الهادئ ينعكس انسجامًا واضحًا بين أفراد العمل، ويُبرز الفروق الدقيقة في الأداء من دون أن يطغى أحد على الآخر. النتيجة أداء جماعي متماسك، حيث تتكامل الطاقات التمثيلية لتشكّل نسيجًا دراميًا حيًّا. بهذا المعنى، لا يقتصر إخراج رندة علم على الصورة، بل يمتد إلى خلق بيئة إبداعية تسمح للممثلين بتقديم أفضل ما لديهم، وهو ما يمنح الفيلم قوّته العاطفية وقدرته على ملامسة الجمهور.

ويأتي أداء ريتا حايك وكارلوس عازار ليعزّز هذا التماسك. الكيمياء بينهما واضحة ومقنعة، ويظهر انسجامهما في الانتقال السلس بين الكوميديا والدراما. ريتا حايك تقدّم شخصية مركّبة تجمع بين القوة والهشاشة، وتتمكّن من التعبير عن تناقضاتها الداخلية عبر نظرات دقيقة وإيقاع مدروس، فتجعل لحظات الصمت لا تقلّ تأثيرًا عن الحوار. أداؤها يوازن بين خفّة الظل وعمق العاطفة، ما يمنح الشخصية حضورًا إنسانيًا قريبًا من المتلقّي.

في المقابل، يعتمد كارلوس عازار على أداء داخلي هادئ، يقوم على التفاصيل الصغيرة وحضور نفسي متماسك. ينجح في تجسيد صراع الشخصية بين الرغبة في الاستقرار والخوف من الالتزام بطريقة شفافة، بحيث تتجلّى مشاعره تدريجيًا أمام الجمهور. قوّته تكمن في القدرة على تحويل أبسط ردّة فعل إلى لحظة دلالية.

هذا التكامل بين أسلوبين مختلفين يخلق طاقة درامية حيّة، حيث يتبادل الممثلان القيادة داخل المشاهد من دون أن يطغى أحدهما على الآخر. المشاهد التي تجمعهما تتّسم بإيقاع متجدّد، يتراوح بين المزاح والعاطفة والتوتّر، ما يُبقي السرد نابضًا ويُرسّخ حضور العلاقة حتى اللحظة الأخيرة. بهذه الكيمياء المدروسة، ينجح الثنائي في حمل الفيلم على أكتافهما، وتقديم تجربة تمثيلية متماسكة تُعيد التذكير بقيمة الأداء الصادق في السينما اللبنانية.

في المحصّلة، يقدّم الفيلم نموذجًا متماسكًا لسينما لبنانية قادرة على مخاطبة الجمهور، وفي الوقت نفسه طرح أسئلة معاصرة بلغة بسيطة وفعّالة. إنّه عمل يجمع بين نصّ ذكي، وإخراج حسّاس، وأداء تمثيلي متوازن، ويؤكّد أنّ الرومانسية، حين تُكتب وتُقدَّم بصدق، لا تزال قادرة على ملامسة وجدان الجمهور وإعادة الثقة بقدرة الفن على التعبير عن واقع الناس.

ولا يُعدّ هذا التوجّه جديدًا على مي أبي رعد، التي تواصل من خلال هذا العمل ترسيخ رؤيتها الإنتاجية القائمة على دعم مشاريع لبنانية ذات جودة فنية عالية، قادرة على الجمع بين الحسّ الإنساني والانتشار الواسع، بما يعزّز حضور السينما اللبنانية ويؤكّد ثقتها بقدرة المواهب المحلية على المنافسة والاستمرار.

الوسوم