

لم يكن تعيين محمد باقر ذو القدر أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران خطوةً بروتوكولية عادية، بل يعكس تحولاً أعمق في بنية النظام، حيث تتجه مراكز القرار تدريجياً من النخب السياسية التقليدية نحو شخصيات تنتمي إلى الدوائر العسكرية والأمنية.
ويأتي هذا التعيين في توقيت حساس، بعد أسبوع على اغتيال علي لاريجاني، ما يعزز قراءة الحدث ضمن سياق أوسع لإعادة ترتيب موازين القوة داخل طهران. ففي هذا السياق، يبرز دور الحرس الثوري الإيراني كفاعل رئيسي يتقدّم ليتولّى موقعاً متقدّماً في صياغة القرار السياسي، وليس فقط في المجال العسكري.
مسيرة ذو القدر تعكس هذا التداخل بين الأمن والسياسة. فقد شغل مناصب متعددة في مجالات الحماية الاجتماعية ومكافحة الجريمة والشؤون الاستراتيجية، وهو ما يدل على توسّع توظيف الكفاءات الأمنية داخل مؤسسات تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.
وفي 19 أيلول 2021، عاد إلى الواجهة السياسية من خلال تعيينه أميناً لـمجمع تشخيص مصلحة النظام بقرار من صادق لاريجاني وبموافقة المرشد الإيراني، خلفاً لـمحسن رضائي. ويُعد هذا الموقع من أبرز مفاصل النظام، نظراً لدوره في حل الخلافات بين السلطات ورسم السياسات العامة، ما يمنح تعيين شخصية ذات خلفية أمنية فيه دلالات تتجاوز البعد الإداري.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن تصاعد نفوذ الحرس الثوري في مختلف مؤسسات الدولة، من السلطة التنفيذية إلى التشريعية والقضائية، في ظل تحديات داخلية مثل الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، إضافة إلى الضغوط الخارجية والعقوبات الدولية. ويبرز اسم ذو القدر أيضاً ضمن قائمة العقوبات المرتبطة بقرار قرار مجلس الأمن رقم 1747، على خلفية صلته ببرامج الصواريخ والبرنامج النووي الإيراني.
في المحصلة، تشكّل تجربة محمد باقر ذو القدر نموذجاً لاتجاه أوسع في إعادة تشكيل النخبة الحاكمة في إيران، حيث تتداخل الأدوار العسكرية والسياسية والقضائية ضمن إطار واحد. ويعكس هذا التوجه ميلاً متزايداً نحو مركزية القرار وتعزيز الطابع الأمني للدولة، بما يمنح النظام أدوات أقوى لإدارة الأزمات، لكنه في المقابل يثير تساؤلات جدية حول مستقبل التوازن بين المؤسسات المدنية والعسكرية داخل بنية الحكم الإيرانية.
