
"المحافظة 15: السجون فُتحت في الدراما… فمن يفتحها في الواقع؟"
"المحافظة 15" لا يقدّم عزاءً، ولا يسعى إلى إغلاق الجرح. بل يفعل العكس تمامًا: يفتحه، يسلّط الضوء عليه، ويتركه أمامنا.

"المحافظة 15" لا يقدّم عزاءً، ولا يسعى إلى إغلاق الجرح. بل يفعل العكس تمامًا: يفتحه، يسلّط الضوء عليه، ويتركه أمامنا.
في "المحافظة 15"، تذهب كارين رزق الله أبعد من الدراما، وأقرب إلى مساءلة ضميرٍ جماعيّ قرّر أن يتعايش مع الغياب. منذ المشهد الأول: أبواب سجون تُفتح على عتمة ثقيلة، يتبيّن أن هذا العمل لا يستعيد الماضي بقدر ما يقتحمه، لا كحكاية منتهية، بل كملفّ لم يُقفل.
ذلك المشهد الافتتاحي ليس تفصيلًا جماليًا، بل إعلان موقف: هناك تاريخ قمعي مشترك، لبناني-سوري، لم يُفكَّك. مرحلة تداخلت فيها الأجهزة، وتماهت فيها الحدود، وتحول فيها القمع إلى منظومة عابرة للدول. لا تقول كارين ذلك بخطاب مباشر، بل تبنيه بصمت، بمشاهد تتراكم، وبشخصيات تحمل آثار ما جرى أكثر مما ترويه. وهنا تكمن الجرأة الحقيقية: أن تفتح الملف من دون شعارات، وأن تدين من خلال البنية، لا من خلال الاتهام.
لكن ما يمنح هذا الطرح ثقله ليس الفكرة وحدها، بل كيفية تحويلها إلى عمل لبناني متكامل العناصر. "المحافظة 15" ينتمي إلى لحظة نادرة في الدراما اللبنانية، حيث يتلاقى النص مع الإخراج والإنتاج والتمثيل في مشروع واحد واضح الرؤية.
إخراج سمير حبشي يتعامل مع النص كحالة، لا كمادة. الكاميرا ليست محايدة؛ هي أقرب إلى شاهد بارد، يراقب من دون أن يتدخل، يقترب حين يصبح القرب فضحًا، ويبتعد حين يكون الابتعاد أكثر قسوة. الإضاءة خافتة، شبه خانقة، كأنها امتداد طبيعي لعتمة السجون التي افتُتح بها العمل. الإيقاع مدروس، بطيء حيث يجب، ومتوتر حيث يتسلل الخطر، ما يجعل المشاهد يعيش داخل العمل لا خارجه.
أما الإنتاج، عبر Marwa Group، فيُحسب له أنه لم يساوم على مستوى التنفيذ. هناك وضوح في الهوية البصرية، استثمار في التفاصيل، وإصرار على تقديم عمل لا يبدو مرتجلاً أو سريع الصنع كما اعتادت بعض الإنتاجات المحلية. على العكس، يبدو "المحافظة 15" كأنه صُنع بعناية، كأنه مشروع أراد أن يُقال لا أن يُستهلك.
التمثيل، من جهته، لا يسعى إلى البطولة الفردية، بل إلى خدمة الحالة العامة. حضور كارين رزق الله ويورغو شلهوب وميشال حوراني ونزيه يوسف ونور الغندور وحسن خليل وبيو شيحان وسوسن ابو عفار المبدعة وعدنان ابو الشامات وجورج حران ومكرم الريّس وانطوانيت عقيقي ولمى لوند وكميل بهجت يوسف، وفيفيان أنطونيوس، وناديا شربل وغيرهم، يتكامل ضمن نسيج واحد، حيث تختفي الاستعراضات الفردية لصالح بناء جماعي متماسك. الأداء هنا منخفض النبرة، داخلي، مشدود إلى الواقع، ما يعزّز صدقية العالم الذي يقدّمه العمل.
لكن جوهر "المحافظة 15" يبقى في قدرته على الربط بين هذا الإتقان الفني وبين موضوع شديد الحساسية: ملف المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. نعم، سقطت أنظمة وتغيّرت خرائط، لكن هذا الملف بقي عالقًا، كأنّه خارج الزمن. لا حسم، لا اعتراف، لا عدالة. وهذا ما يلتقطه العمل بذكاء: أن السجون قد تُفتح في الدراما، لكن في الواقع، لم يخرج الجميع.
الشخصيات التي نراها لا تحمل فقط قصصها، بل تحمل ذاكرة جماعية مثقوبة. ذاكرة تعرف أن شيئًا ما لم يُستكمل. وهذا النقص هو ما يمنح العمل ثقله الأخلاقي. فهو لا يكتفي باستعادة الألم، بل يطرح سؤالًا قاسيًا: ماذا نفعل بكل هذا الذي لم يُحلّ؟
هنا تتحول الدراما إلى أكثر من فن. تصبح فعل كشف.
"المحافظة 15" لا يقدّم عزاءً، ولا يسعى إلى إغلاق الجرح. بل يفعل العكس تمامًا: يفتحه، يسلّط الضوء عليه، ويتركه أمامنا.
وفي بلدٍ اعتاد أن يطوي صفحاته قبل قراءتها، يأتي هذا العمل ليقول بوضوح نادر:
بعض الأبواب التي فُتحت في المشهد الأول… لم تُفتح بعد في الواقع.