
من الطيري إلى ذاكرة الاغتيالات: دم الصحافيين في لبنان بين استهداف الميدان وكتم الحقيقة
الصحافة في لبنان، رغم الجراح، لا تزال حيّة. لكنها تدفع ثمنًا باهظًا، في بلد لم يحسم بعد معركته بين من يريد الحقيقة، ومن يخشاها.

الصحافة في لبنان، رغم الجراح، لا تزال حيّة. لكنها تدفع ثمنًا باهظًا، في بلد لم يحسم بعد معركته بين من يريد الحقيقة، ومن يخشاها.
شكّل مقتل الصحافية آمال الخليل في الغارة الإسرائيلية التي استهدفت بلدة الطيري جنوبي لبنان محطةً جديدة في سجلّ دموي طويل يدفع فيه الصحافيون ثمن اقترابهم من الحقيقة. الخليل، التي كانت تنقل ما يجري من الميدان، قُتلت أثناء تغطيتها للتصعيد، بعد استهداف الموقع الذي لجأت إليه، في مشهد يلخّص المخاطر القصوى التي تلاحق العمل الصحافي في مناطق النزاع.
غير أنّ هذه الجريمة لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع، إذ يتكرّر استهداف الإعلاميين في لبنان، خصوصًا في الجنوب خلال المواجهات الأخيرة. ففي آذار 2026، قُتل الصحافيون علي شعيب وفاطمة فتوني والمصور محمد فتوني في غارة استهدفت سيارتهم أثناء عملهم الميداني. وقبلهم، سقط عدد من الإعلاميين خلال تغطيات ميدانية في 2023 و2024، بينهم فرح عمر وربيع المعماري، إضافة إلى مصورين وتقنيين قضوا أثناء نقل الصورة من خطوط التماس، كما شكّل مقتل المصور الصحافي عصام عبدالله في تشرين الأول 2023 أثناء تغطيته على الحدود الجنوبية صدمة كبيرة، بعدما استُهدف فريق إعلامي بشكل مباشر خلال عمله.
هذا المشهد يعيد إلى الواجهة ذاكرة الاغتيالات السياسية والإعلامية التي شهدها لبنان خلال العقدين الأخيرين، والتي طالت صحافيين ومثقفين شكّلوا أصواتًا مؤثرة في الرأي العام. من بينهم سمير قصير (2005)، الكاتب والصحافي الذي اغتيل بسيارة مفخخة في بيروت، وجبران تويني (2005)، مدير تحرير صحيفة "النهار" الذي قُتل في تفجير استهدف موكبه، ومي شدياق التي نجت من محاولة اغتيال في العام نفسه، إضافة إلى اغتيال المفكر والوزير السابق بيار الجميل (2006)، والصحافي والباحث لقمان سليم (2021).
ولا يمكن إغفال محاولة اغتيال الوزير والنائب مروان حمادة (2004)، التي شكّلت واحدة من البدايات المبكرة لمسار استهداف شخصيات سياسية وإعلامية بارزة، وفتحت الباب أمام سلسلة اغتيالات هزّت لبنان في السنوات اللاحقة.
تكشف هذه السلسلة من الجرائم نمطًا متكرّرًا: استهداف الكلمة الحرة حين تقترب من مناطق النفوذ أو تكشف وقائع حساسة. فالصحافي في لبنان لا يواجه فقط مخاطر الحرب، بل أيضًا احتمالات الاغتيال السياسي، والضغوط، والإفلات المزمن من العقاب. وهو ما يجعل حرية الإعلام في البلاد مسألة هشّة، رغم ما يبدو من تعددية في المنابر.
في هذا السياق، تتجاوز قضية آمال الخليل حدود الحادثة الفردية، لتطرح سؤالًا أعمق حول معنى الصحافة نفسها. فهذه المهنة، التي وُصفت بأنها "مهنة البحث عن المتاعب"، ليست مجرد نقل للأخبار، بل فعل مساءلة مستمر للسلطة، أياً كانت، وسعي دائم لكشف ما يُراد له أن يبقى مخفيًا. لذلك، يصبح الصحافي شاهدًا غير مرغوب فيه أحيانًا، وثمن شهادته قد يكون حياته.
ورغم ذلك، لم تتوقف الصحافة يومًا. فكلما سقط صحافي، حمل آخر الكاميرا أو القلم وأكمل الطريق. إنها مفارقة قاسية: الخطر لا يُسكت الكلمة، بل يمنحها أحيانًا مزيدًا من الإصرار. وآمال الخليل، كما الذين سبقوها، تنضم إلى قافلة طويلة من صحافيين ومثقفين كتبوا، بدمهم، تاريخ الحرية في لبنان.
إن استحضار هذه الأسماء ليس فعل رثاء فقط، بل تذكير بأن حماية الصحافيين ليست ترفًا، بل ضرورة ديمقراطية. فحين يُقتل الصحافي، لا تُغتال فردية فقط، بل يُصاب المجتمع في حقّه بالمعرفة. وحين يفلت القاتل من العقاب، تتحول الحقيقة نفسها إلى هدف مشروع.
من هنا، تبقى الرسالة الأوضح: الصحافة في لبنان، رغم الجراح، لا تزال حيّة. لكنها تدفع ثمنًا باهظًا، في بلد لم يحسم بعد معركته بين من يريد الحقيقة، ومن يخشاها.