
الأسعار تشتعل في لبنان: الحرب ترفع كلفة المعيشة 30%
هكذا، يصبح السعر انعكاسًا للقلق العام

هكذا، يصبح السعر انعكاسًا للقلق العام
لم يعد ارتفاع الأسعار في لبنان تفصيلًا اقتصاديًا عابرًا يمكن احتواؤه بإجراءات ظرفية، بل تحوّل إلى واقع ضاغط يعيد تشكيل الحياة اليومية للبنانيين. فمع اشتداد الحرب وتداعياتها المباشرة وغير المباشرة، سجّلت أسعار السلع الأساسية ارتفاعًا يقارب 30%، في قفزة سريعة تعكس هشاشة الاقتصاد اللبناني أكثر مما تعكس مجرد تقلبات ظرفية في السوق.
هذا الارتفاع لا يمكن فصله عن السياق العام الذي يعيشه البلد. فلبنان، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد لتأمين حاجاته الأساسية، وجد نفسه أمام موجة جديدة من الضغوط: كلفة الشحن ارتفعت بفعل المخاطر الأمنية، وأسعار التأمين على البضائع قفزت، وسلاسل الإمداد باتت أكثر اضطرابًا. ومع كل توتر أمني، يتضاعف القلق في الأسواق، فيتحول إلى عامل إضافي يدفع الأسعار نحو الأعلى.
لكن العامل الأكثر تأثيرًا لا يكمن فقط في الخارج، بل أيضًا في الداخل. فالسوق اللبنانية، التي تعاني أصلًا من ضعف الرقابة وغياب آليات الضبط الفعالة، تتفاعل بسرعة مع الخوف. ومع كل إشاعة عن توسّع الحرب، يتجه المستهلكون إلى التخزين، ويعمد بعض التجار إلى حجب السلع أو إعادة تسعيرها بشكل استباقي، ما يخلق موجة تضخمية لا ترتبط دائمًا بالكلفة الفعلية بقدر ما ترتبط بتوقعات الربح والخسارة. وهكذا، يصبح السعر انعكاسًا للقلق العام، لا فقط لحركة العرض والطلب.
في هذا المشهد، يبدو المواطن الحلقة الأضعف. فالرواتب، سواء في القطاعين العام أو الخاص، لا تزال عاجزة عن مواكبة هذا الارتفاع، ما يؤدي إلى تآكل سريع في القدرة الشرائية. ومع كل زيارة إلى المتجر، يكتشف اللبناني أن ما كان يشتريه بالأمس لم يعد في متناول اليد اليوم. تتقلص السلة الغذائية تدريجيًا، وتُستبدل سلع بأخرى أقل جودة، وتتغير الأولويات من نمط حياة إلى مجرد محاولة للبقاء ضمن الحد الأدنى.
أما الطبقة الوسطى، التي شكّلت تاريخيًا عنصر التوازن في المجتمع اللبناني، فتتراجع بوتيرة متسارعة. فهي لا تستفيد من أي دعم مباشر، ولا تملك في الوقت نفسه القدرة على امتصاص الصدمات المتتالية. ومع استمرار هذا المسار، يزداد خطر الانزلاق نحو واقع اجتماعي أكثر هشاشة، حيث تتسع الفجوة بين من يملك القدرة على التكيّف ومن يُدفع تدريجيًا نحو الهامش.
ولا تقف المشكلة عند حدود الأرقام، بل تتجاوزها إلى طبيعة النظام الاقتصادي نفسه. فالتسعير في لبنان بات في كثير من الأحيان خاضعًا لمزاج السوق لا لضوابط واضحة، ما يفتح الباب أمام المضاربة والاحتكار. وفي ظل غياب تدخل فعّال من الدولة، يتحول السوق إلى مساحة مفتوحة للفوضى المنظمة، حيث تُترك الأسعار لتتحدد وفق موازين قوى غير متكافئة.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى ارتفاع الأسعار بنسبة 30% على أنه حدث عابر. إنه مؤشر على مرحلة أكثر تعقيدًا يدخلها لبنان، حيث تتقاطع الحرب مع الانهيار الاقتصادي لتنتج واقعًا معيشيًا خانقًا. وإذا استمر التصعيد أو طال أمده، فإن هذه النسبة قد لا تكون سوى بداية لمسار تصاعدي أكثر قسوة.
في لبنان اليوم، لم تعد الحرب تُقاس فقط بما يحدث على الجبهات، بل بما يحدث في الأسواق أيضًا. فكل ارتفاع في الأسعار هو جبهة إضافية تُفتح في وجه المواطن، وكل تراجع في القدرة الشرائية هو خسارة صامتة تُسجّل يوميًا في حياة الناس.