
10452 كلم²: شعارٌ حاربوه ومن ثمّ سرقوه!
ماذا لو لم يُغتل بشير الجميّل؟ ماذا لو أُعطي مشروع الدولة الذي طرحه فرصة ليُختبر؟

ماذا لو لم يُغتل بشير الجميّل؟ ماذا لو أُعطي مشروع الدولة الذي طرحه فرصة ليُختبر؟
في لبنان، قلّما تختصر عبارة واحدة أزمة بلد كامل. لكن الرقم 10452 كلم² فعل ذلك. فهو ليس مجرد مساحة جغرافية، بل فكرة سياسية عن الدولة والسيادة والقرار الوطني. هذه الفكرة طرحها الرئيس المنتخب بشير الجميّل في لحظة كان لبنان فيها يتفكك بين جيوش الخارج وميليشيات الداخل. يومها لم يكن الرقم شعارًا بل مشروعًا: دولة واحدة، أرض واحدة، وسلاح واحد.
غير أنّ المفارقة التي يعيشها لبنان اليوم هي أنّ القوى التي حاربت هذا الشّعار لعقود، واتّهمت أصحابه بالانعزال أو بالخيانة أو بالعمالة، هي نفسها التي تردده حاليًّا في خطابها السياسي وكأنّه جزء من قاموسها الطبيعي. لكن بين استعمال الشعار وبين الإيمان بمضمونه مسافة كبيرة، وهذه المسافة هي تحديدًا ما يكشف ازدواجية المعايير التي تتحكّم بالخطاب السياسي لما يُسمّى محور "الممانعة"، وعلى رأسه "حزب الله".
حين كان بشير الجميّل يتحدّث عن الـ 10452 كلم²، كان لبنان يعيش انهيار الدولة بكلّ ما للكلمة من معنى. الأرضُ مقسّمة بين قوى متعددة، القرار العسكري موزّع بين جهات مختلفة، والحدود اللبنانية مفتوحة أمام تدخلات الخارج. في تلك اللحظة طرح بشير فكرة تبدو اليوم بديهية: لا دولة إذا تفلّت السلاح، ولا سيادة إذا تعددت الجيوش، ولا وطن إذا كان قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة.
لهذا لم يكن الرقم 10452 مجرد إشارة إلى حدود لبنان. كان إعلانًا واضحًا بأن كل هذه المساحة يجب أن تكون خاضعة لسلطة الدولة وحدها. أي أن السيادة ليست مجرد شعار يرفع في الخِطَب، بل واقع سياسي يقوم على احتكار الدولة للقوة العسكرية. لذلك كان بشير يكرر في خطاباته أنّ لبنان لا يمكن أن يكون دولة إذا كان على أرضه أكثر من جيش وأكثر من قرار.
هذه الفكرة تحديدًا هي التي واجهت رفضًا عنيفًا من القوى التي كانت ترى لبنان جزءًا من معركة إقليمية أوسع. بالنسبة إلى تلك القوى، لم يكن لبنان دولة يجب أن تحمي سيادتها، بل جبهة في صراع يتجاوز حدودها. ولذلك اعتُبر شعار 10452 كلم² في تلك المرحلة تعبيرًا عن مشروع سياسي يريد "تحجيم المقاومة" أو "عزل لبنان عن قضايا الأمة".
لكنّ الزمن حمل مفارقة قاسية.
اليوم، وبعد عقود من الحروب، أصبحت القوى نفسها تتحدث عن السيادة اللبنانية وعن الدفاع عن الأرض الّلبنانية ضمن حدود الـ 10452 كلم². أصبح الخطاب مليئًا بالكلام عن حماية لبنان وعن منع الاعتداء على سيادته.
غير أن المشكلة ليست في استعمال الشعار. المشكلة بأنّ الشعار يُستخدم بلا مضمونه.
فالمعنى الحقيقي الذي قصده بشير كان واضحًا: السيادة تعني أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها. أمّا أن يُرفع شعار الـ10452 فيما قرار الحرب يُتخذ خارج مؤسسات الدولة، فذلك ليس سيادة بل استعمال انتقائي لمفهوم السيادة.
وهنا تظهر الازدواجية بأوجّ صورها. فعندما تُقصف الأراضي اللبنانية يُرفع شعار الدفاع عن الـ 10452 كلم²، لكن عندما يُطرح السؤال البسيط عن حصرية السلاح بِيَد الدولة يتحوّل النقاش فجأة إلى اتهامات بالتآمر أو بالخضوع لإسرائيل. أي أن السيادة تصبح مطلبًا مشروعًا حين يتعلق الأمر بإسرائيل، لكنها تتحول إلى تهمة حين يتعلق الأمر بسلاح خارج الدولة.
هذه ليست سيادة.
هذه سيادة على القياس.
أمّا المفارقة الأعمق فتتعلّق بجمهور "الممانعة" نفسه لا يزال يرفض ما قصده بشير بهذا الشعار. فالفكرة التي طرحها: دولة واحدة وجيش واحد وقرار واحد ، ما زالت بالنسبة إلى هذا الجمهور فكرة مرفوضة أو مشبوهة. ومع ذلك، يستخدم الخطاب السياسي للمحور نفسه الرقم 10452 وكأنه جزء من مشروعه.
بعبارة أخرى، تم تبنّي الشعار بعد تجريده من جوهره.
وهذا تحديدًا ما يجعل اسم بشير الجميّل يعود إلى النقاش اللبناني كلّما اندلعت حرب جديدة. فالرئيس الشهيد لم يكن يتحدث عن رقم جغرافي، بل عن مفهوم واضح للدولة. كان يقول إنّ لبنان لن يكون وطنًا حقيقيًا إذا بقي ساحة لصراعات الآخرين، كما لأنّ الدولة التي لا تحتكر السلاح على أرضها لا يمكن أن تكون دولة فعلية.
اليوم، بعد أكثر من أربعين عامًا، لا يزال لبنان يدور حول السؤال نفسه: هل هو دولة بحدود 10452 كلم² أم مجرد جبهة في صراع إقليمي أكبر؟
الفرق بين الاثنين ليس في الرقم.
الفرق في من يملك القرار.
ولهذا السبب بالذات، يبقى السؤال الذي يطرحه كثير من اللبنانيين اليوم مؤلمًا بقدر ما هو بسيط: ماذا لو لم يُغتل بشير الجميّل؟ ماذا لو أُعطي مشروع الدولة الذي طرحه فرصة ليُختبر؟
ربما كان لبنان سيختلف كثيرًا. وربما كان الرقم 10452 اليوم واقعًا سياسيًا لا شعارًا يتداوله الجميع. لأنّه لو كان بشير الجميّل على قيد الحياة، لما كانت 10452 كلم² مجرد شعار. بل كانت ستصبح سيادة فعلية.