
رحيل أحمد قعبور… حين يصمت الصوت الذي كان يشبهنا
وداعاً يا أحمد… يا من جعلت الأغنية بيتاً نسكنه، كلما ضاقت بنا الحياة

وداعاً يا أحمد… يا من جعلت الأغنية بيتاً نسكنه، كلما ضاقت بنا الحياة
رحل أحمد قعبور…
وكأن شيئاً دافئاً انسحب فجأة من هذا العالم، من دون أن يستأذن.
ليس الموت وحده ما يُحزن اليوم، بل هذا الشعور بأن صوتاً كان يشبهنا تماماً لم يعد بيننا. أحمد قعبور لم يكن مجرد فنان نسمعه… كان واحداً منّا. حين كان يغنّي، كنا نشعر أنّ أحداً أخيراً فهم هذا الثقل في القلب، هذا الحنين الذي لا اسم له، وهذه البلاد التي نحبّها رغم كل شيء.
كيف يمكن أن تمرّ "أناديكم" الآن من دون أن ترتجف فينا الذكريات؟ لم تكن أغنية، بل كانت أشبه بنداءٍ خرج من عمق الروح، واستقرّ فينا. كأنها كُتبت لكل الذين فقدوا شيئاً ولم يتوقفوا عن المحاولة.
وكيف يمكن أن نسمع "يا رايح صوب بلادي" من بعد اليوم، من دون أن نشعر أنّ الطريق صارت أطول، وأن الغياب صار أثقل؟
في صوته كان هناك شيء لا يُفسَّر… دفء لا يُعلَّم، وصدق لا يُمثَّل. لم يكن يحتاج إلى ضجيج، ولا إلى بهرجة. كان يكفي أن يبدأ بالغناء، حتى نشعر أنّ العالم صار أبطأ قليلاً… وأننا لسنا وحدنا.
أرشيفه ليس مجرد أغانٍ محفوظة في تسجيلات، بل هو ذاكرة حيّة.
هو صوت أمّ كانت تهمس به لطفلها، وصديق كان يشغّله في لحظة تعب، وشاب كان يجد فيه نفسه من دون أن يعرف لماذا. هو تلك اللحظات الصغيرة التي لا تُكتب في التاريخ، لكنها تصنعنا.
رحل قعبور، لكن الحقيقة المؤلمة الجميلة في آن، أن بعض الناس لا يموتون بالكامل. يتركون خلفهم شيئاً يشبههم… نبرة، إحساساً، قطعة من الروح.
سنسمعه فجأة في ليلة هادئة، أو في طريق طويل، أو في لحظة ضعف… وسنكتشف أنه لم يغادر فعلاً.
بيروت اليوم لا تبكيه بصوتٍ عالٍ…
بل تبكيه بصمتٍ يشبهه.
وداعاً يا أحمد…
يا من جعلت الأغنية بيتاً نسكنه، كلما ضاقت بنا الحياة.